يقف الإعلام اليمني اليوم أمام فجوة متزايدة بين الواقع والتشريع. فما يزال الإطار القانوني الناظم للعمل الإعلامي يستند إلى قانون الصحافة والمطبوعات رقم (25) لسنة 1990، وهو قانون وضع في مرحلة كانت الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون تمثل الوسائل الرئيسة لتداول الأخبار.

وخلال أكثر من ثلاثة عقود تبدلت طبيعة المجال الإعلامي بصورة جذرية، وأصبحت المنصات الرقمية والمواقع الإخبارية والبودكاست ومنصات البث المباشر وتطبيقات التواصل الاجتماعي جزءً من البنية الإعلامية، كما دخل الذكاء الاصطناعي مؤخرا في إنتاج المحتوى وتحريره ونشره.

هذا التحول السريع لم يصاحبه تحديث مماثل في البيئة التشريعية. ونتيجة لذلك، يعمل الصحفيون والمؤسسات الإعلامية في إطار قانوني لا يعالج الكثير من القضايا المستجدة، ويترك مساحات واسعة للاجتهاد الإداري أو التفسير القضائي، الأمر الذي يزيد من حالة عدم اليقين القانوني في الوسط الإعلامي.

وتزداد هذه التحديات في اليمن بفعل الانقسام السياسي وتعدد سلطات الأمر الواقع الموازية للسلطة الشرعية، حيث تختلف بيئة العمل الإعلامي من منطقة إلى أخرى، وتخضع وسائل الإعلام في كثير من الأحيان لقيود ترتبط بطبيعة السلطة المسيطرة أكثر من ارتباطها بقواعد قانونية موحدة.

وانعكس ذلك على واقع حرية الصحافة، حيث جاءت اليمن في المرتبة (154) من أصل (180) دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2025 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود، وهو تصنيف يعكس استمرار التحديات المتعلقة بحرية العمل الإعلامي وسلامة الصحفيين.

ورغم صدور قانون حق الحصول على المعلومات رقم (13) لسنة 2012، ما تزال ممارسة هذا الحق محدودة بسبب ضعف آليات التنفيذ وغياب إجراءات ملزمة للجهات العامة.

كما أن التشريعات القائمة لا تقدم تنظيم واضح للإعلام الرقمي، ولا تحدد المسؤوليات المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولا تضع إطار قانوني يوازن بين مكافحة التضليل وحماية حرية التعبير.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى قانون إعلام جديد ينظر إلى الإعلام بوصفه بيئة متكاملة، ويوازن بين حماية الحقوق، وتعزيز المسؤولية المهنية، ومواكبة التطورات التقنية، مع مراعاة خصوصية الواقع اليمني وقدرات مؤسساته.

 

المبادئ الحاكمة للتشريع المقترح

 

يعتمد أي قانون إعلام حديث على مجموعة من المبادئ العامة التي تمنحه الاستقرار والمرونة في الوقت نفسه. 

وفي الحالة اليمنية، يمكن تلخيص هذه المبادئ في خمسة مرتكزات رئيسة:

أولا: شمول البيئة الإعلامية

 ينبغي أن يمتد نطاق القانون إلى جميع وسائل إنتاج المحتوى الإخباري ونشره، بما يشمل الصحافة المطبوعة والإذاعة والتلفزيون والمواقع الإخبارية والمنصات الرقمية والبودكاست والقنوات الرقمية، مع وضع تعريفات قانونية واضحة للمؤسسات الإعلامية المهنية، والتمييز بينها وبين الحسابات الشخصية في في وسائل التواصل الاجتماعي التي تمارس التعبير الفردي.

ثانيا: حماية الحقوق والحريات

يكفل الدستور اليمني حرية الرأي والتعبير والصحافة، كما أكد قانون الصحافة والمطبوعات أن حرية المعرفة والتعبير والحصول على المعلومات من الحقوق الأساسية للمواطنين.

ويقتضي ذلك أن يجعل القانون الجديد حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات نقطة الانطلاق في تنظيم العمل الإعلامي، مع وضع قيود محددة وواضحة يفرضها القانون لحماية الأمن الوطني والخصوصية والحقوق الدستورية للآخرين.

ثالثا: الاستقلال المؤسسي 

تحتاج البيئة الإعلامية إلى جهة تنظيمية تتمتع بالاستقلال عن السلطة التنفيذية، وتعمل وفق معايير مهنية وقانونية واضحة، بما يعزز الثقة في قراراتها ويحد من تضارب المصالح.

رابعا: الحياد التقني

يتطلب التطور المتسارع في وسائل الاتصال أن يعتمد القانون على مبادئ عامة قابلة للتطبيق على مختلف الوسائل الحالية والمستقبلية، مع ترك الجوانب الفنية للوائح تنفيذية يمكن تحديثها بصورة دورية، حتى يحتفظ التشريع بفاعليته مع تغير التكنولوجيا.

خامسا: التوازن بين الحرية والمسؤولية 

يمثل الإعلام ركنا أساسيا في الحياة الديمقراطية، كما يتحمل مسؤولية اجتماعية تتعلق بالدقة والنزاهة واحترام الحقوق.

ويقتضي ذلك اعتماد وسائل قانونية تعالج المخالفات المهنية بأساليب متدرجة، وتعطي الأولوية للتصحيح وحق الرد والتعويض، مع قصر العقوبات الجنائية على الأفعال التي تشكل جرائم منصوص عليها في القانون.

 

خيارات الإصلاح التشريعي

 

يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسة لتطوير الإطار القانوني للإعلام في اليمن.

الخيار الأول: الإبقاء على قانون الصحافة والمطبوعات الحالي مع إدخال تعديلات جزئية عليه. 

ويمتاز هذا الخيار بسهولة التطبيق، غير أنه يعالج جانبا محدودا من المشكلة، لأن بنية القانون نفسها تنتمي إلى مرحلة مختلفة عن البيئة الإعلامية الراهنة.

الخيار الثاني: إصدار قانون جديد للإعلام يوحد الأحكام الأساسية المتعلقة بالإعلام التقليدي والرقمي، ويرتكز على المبادئ العامة، ويترك التفاصيل التنظيمية للوائح التنفيذية. 

ويعد هذا الخيار أكثر قدرة على استيعاب التطورات المستقبلية، كما يوفر إطارا قانونيا أكثر اتساقا.

الخيار الثالث: إصدار مجموعة قوانين مستقلة، تشمل قانونا للإعلام، وآخر للإعلام الرقمي، وثالثا للذكاء الاصطناعي، ورابعا للإعلام المرئي والمسموع.

ويتميز هذا الخيار بدرجة عالية من التخصص، إلا أنه يحتاج إلى مؤسسات مستقرة وقدرات تشريعية وتنفيذية كبيرة، وهي متطلبات يصعب تحقيقها في الظروف اليمنية الحالية.

وبناء على ذلك، يبدو الخيار الثاني أكثر ملاءمة، لأنه يجمع بين وحدة التشريع ومرونة التنظيم، ويتيح تحديث اللوائح التنفيذية كلما استدعت التطورات التقنية ذلك، دون الحاجة إلى تعديل القانون في كل مرة.

 

محاور التشريع المقترح

 

1. تنظيم البيئة الإعلامية الرقمية

أصبح الإعلام الرقمي أحد المصادر الرئيسة للأخبار في اليمن، الأمر الذي يستدعي انتقال التنظيم القانوني من مفهوم "الصحيفة" إلى مفهوم "المنصة الإعلامية".

ويقترح اعتماد نظام تسجيل مبسط للمؤسسات الإعلامية الرقمية بدلا من إجراءات الترخيص المقيدة، مع إلزامها بالإفصاح عن المالك، ورئيس التحرير، والسياسة التحريرية، ووسائل التواصل الرسمية.

ويعزز هذا النهج الشفافية ويمنح الجمهور القدرة على التحقق من هوية الجهة الناشرة دون فرض قيود غير مبررة على إنشاء المؤسسات الإعلامية.

2. حرية التعبير والحق في الحصول على المعلومات

يشكل الوصول إلى المعلومات أساس العمل الإعلامي الرشيد. 

ورغم صدور قانون حق الحصول على المعلومات رقم (13) لسنة 2012، ما تزال الحاجة قائمة إلى ربط هذا الحق بقانون الإعلام، عبر إلزام الجهات العامة بالاستجابة لطلبات المعلومات خلال مدد زمنية محددة، مع بيان أسباب الرفض وإتاحة حق التظلم أمام جهة مستقلة أو القضاء الإداري.

كما يوصى بإلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر ذات الطابع المهني، واعتماد التدرج في الجزاءات، بحيث تعطى الأولوية لحق الرد، والتصحيح، والاعتذار، والتعويض المدني عند الاقتضاء، مع الإبقاء على المسؤولية الجنائية في الجرائم المنصوص عليها في القوانين النافذة، مثل التحريض المباشر على العنف أو نشر ما يمس الحقوق المحمية قانونا.

3. تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي

أدخل الذكاء الاصطناعي تحولا كبيرا في إنتاج المحتوى الإعلامي، الأمر الذي يقتضي وضع قواعد قانونية واضحة دون إعاقة الابتكار. 

ويقترح إلزام المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عندما يكون المحتوى قد أنتج أو عدل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع اعتماد إجراءات مهنية للتحقق من دقته قبل النشر.

كما يقترح تجريم استخدام تقنيات التزييف العميق في انتحال الشخصيات أو الاحتيال أو التضليل المتعمد، انسجاما مع الاتجاهات التشريعية الحديثة، ومنها قانون الذكاء الاصطناعي الصادر عن الاتحاد الأوروبي، الذي يولي اهتماما خاصا لشفافية المحتوى الاصطناعي وحماية الجمهور.

4. حماية الصحفيين وسرية المصادر

تستدعي طبيعة النزاع في اليمن توفير ضمانات قانونية خاصة للعاملين في المجال الإعلامي.

ويقترح النص على حماية الصحفي أثناء أداء عمله، وتجريم الاعتداء عليه بسبب نشاطه المهني، وضمان سرية مصادره إلا بقرار قضائي وفي أضيق الحدود التي يقررها القانون.

كما يستحسن وضع قواعد تنظم تغطية النزاعات والكوارث، بما يكفل سلامة الصحفيين وييسر وصولهم إلى المعلومات ومواقع الأحداث، مع احترام متطلبات السلامة العامة والأمن.

5. هيئة مستقلة لتنظيم الإعلام

يعتمد نجاح أي إصلاح تشريعي على وجود جهة تنظيمية مستقلة تحظى بالثقة والمهنية. 

ويقترح إنشاء هيئة وطنية مستقلة للإعلام تتولى تسجيل المؤسسات الإعلامية، ومتابعة الالتزام بالمعايير المهنية، والنظر في الشكاوى الإدارية، وإعداد اللوائح التنفيذية.

ونظرا إلى الانقسام السياسي، ينبغي أن تقوم آلية تشكيل الهيئة على التوازن والاستقلال، من خلال مشاركة السلطة القضائية، ونقابة الصحفيين، والجامعات، وممثلي المؤسسات الإعلامية، مع اعتماد معايير موضوعية لاختيار الأعضاء وتحديد مدد عضويتهم وضمان عدم عزلهم إلا وفق أحكام القانون.

6. الشفافية وملكية وسائل الإعلام

تعزز شفافية الملكية ثقة الجمهور في وسائل الإعلام، وتحد من تضارب المصالح. 

لذلك يقترح إلزام المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن المالكين الحقيقيين ومصادر التمويل الرئيسة، مع وضع قواعد تمنع التركز الاحتكاري في السوق الإعلامية، وتلزم بالإفصاح عن الإعلانات السياسية والمواد المدفوعة.

كما يوصى بوضع ضوابط تكفل استقلال القرار التحريري عن مصالح الممولين والمعلنين، بما يحفظ حق الجمهور في الحصول على معلومات مهنية ومتوازنة.

7. تطوير الإعلام الرسمي والتنظيم الذاتي

يمثل الإعلام الرسمي أحد المكونات الأساسية لأي منظومة إعلامية متوازنة. 

ويقترح إعادة تنظيم وسائل الإعلام المملوكة للدولة بما يضمن استقلالها المهني وخدمتها للمصلحة العامة، مع اعتماد مجالس إدارة مستقلة ومعايير واضحة للتعيين والتمويل.

وفي الوقت نفسه، ينبغي دعم التنظيم الذاتي للمهنة عبر إنشاء مجلس مستقل لأخلاقيات الإعلام يتولى استقبال الشكاوى، وتشجيع التسوية والوساطة، وتطوير مواثيق الشرف المهني وأخلاقيات المهنة، بما يخفف من اللجوء إلى القضاء في القضايا ذات الطبيعة المهنية.

 

توصيات التنفيذ

 

يتطلب تحديث التشريع الإعلامي مسارا تدريجيا يراعي الواقع اليمني، ويمكن أن يبدأ بحوار وطني تشارك فيه الجهات الحكومية، ونقابة الصحفيين، والمؤسسات الإعلامية المستقلة والحزبية والرسمية، ومنظمات المجتمع المدني، والخبراء القانونيون، يخرج منه استراتيجية وطنية للإعلام.

ويستحسن أن يقتصر القانون على المبادئ العامة والحقوق والالتزامات الأساسية، بينما تتولى اللوائح التنفيذية تنظيم المسائل الفنية التي تتغير مع تطور التكنولوجيا.

كما يوصى بمراجعة التشريعات ذات الصلة، وفي مقدمتها قانون الصحافة والمطبوعات رقم (25) لسنة 1990، وقانون حق الحصول على المعلومات رقم (13) لسنة 2012، وقانون الجرائم والعقوبات، وقانون الجرائم الإلكترونية عند إقراره، بما يحقق الانسجام بين المنظومة القانونية ويمنع تعارض النصوص.

 

خاتمة

 

يمثل تحديث قانون الإعلام فرصة لإعادة بناء البيئة الإعلامية في اليمن على أسس أكثر توازنا واستقرارا. فالقانون المنشود لا يقتصر على تنظيم وسائل النشر، وإنما يرسخ حق المجتمع في المعرفة، ويعزز استقلال المؤسسات الإعلامية، ويحمي الصحفيين، ويواكب التحولات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتشير تجارب العديد من الدول إلى أن نجاح التشريعات الإعلامية يرتبط بوضوح المبادئ، واستقلال المؤسسات المنظمة، ومرونة النصوص القانونية، أكثر من ارتباطه بكثرة المواد والتفاصيل. 

وفي الحالة اليمنية، تمثل هذه المبادئ مدخلا عمليا لبناء إطار قانوني قادر على مواكبة التطورات، وتعزيز الثقة بالإعلام، ودعم حق المواطنين في الوصول إلى معلومات دقيقة وموثوقة.